تقرير خاص "الشارع اليمني "الصراع السياسي في اليمن نار تحت الرماد

 

د.عبده البحش

 له جذور تاريخية وتراكمات سياسية واجتماعية وله أيضا ابعاد إقليمية ودولية كانت بمثابة النار المغطاة بالرماد او كما يقال مثل جبل الجليد المغطى بمياه البحار والمحيطات، ولكي نفهم طبيعة الصراع السياسي الراهن في اليمن لا بد لنا من الاخذ في الاعتبار تناول الجذور والمسببات والاشكالات التي كانت تتوقد وتلتهب في الخفاء قبل ان تتحول الى بركان متفجر ظاهر للعيان.
لقد استطاع اليمن وبرغم المشكلات والتعقيدات السياسية الكبيرة التي كانت تواجهه، تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو عام 1990م، الا ان هذه الوحدة وللأسف الشديد تلقت اول ضربة لها في صيف عام 1994م، حيث اندلعت حربا شعواء بين القوات الجنوبية والقوات الشمالية وانتهت هذه الحرب بهزيمة القوات الجنوبية وانتصار القوات الشمالية وفرض الوحدة السياسية اليمنية بالقوة العسكرية، وهو ما شكل نوعا من الغبن والشعور بالانكسار لدى القيادات الجنوبية بشكل خاص ولدى الشعب في جنوب اليمن بشكل عام.
ان حرب صيف عام 1994م، في اليمن شكلت نوعا من التحالف الحزبي السياسي اليمني، حيث بقي الحزب الاشتراكي اليمني ممثلا لما كان يعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية الشطر الجنوبي سابقا يمثل طرفا في الحرب التي اندلعت عام 1994م، بينما تحالف حزب المؤتمر الشعبي العام الذي كان يحكم الجمهورية العربية اليمنية الشطر الشمالي سابقا مع حزب التجمع اليمني للإصلاح الاخوان المسلمين ومع التيار السلفي السني والمجاهدين العائدين من أفغانستان ضد الحزب الاشتراكي اليمني في الحرب التي انتهت بهزيمة الحزب الاشتراكي اليمني واجتياح الجنوب بالكامل وانتصار حزب المؤتمر الشعبي العام وحليفه حزب الإصلاح الاخوان المسلمين، لكن انتخابات عام 1997م،  انتهت بهزيمة حزب الإصلاح وفوز كاسح للمؤتمر الذي انفرد بالسلطة واخرج حليف الحرب خارج السلطة مما ولد نوعا من الحقد والتذمر في نفوس الإصلاحيين وباتوا يتحينون الفرصة للانتقام من المؤتمر الذي هزمهم بالانتخابات واخرجهم من الحكم، وبهذا تولدت بؤرة جديدة للصراع السياسي المستقبلي في اليمن.
وفي ثمانياتنا القرن الماضي شهد اليمن نوعا من الانتشار لحركة الاخوان المسلمين وكذلك انتشار للمذهب السلفي السني المتشدد في اليمن بشكل عام وفي المناطق الزيدية بشكل خاص، وهو ما استفز المراجع الزيدية في اليمن، الذين شعروا بانحسار وتلاشي مذهبهم الذي حكم اليمن معظم فتراته التاريخية، لذلك اتجه المرجع الزيدي بدر الدين الحوثي وابنه حسين الى إيران طلبا للدعم والمساندة للوقوف ضد المذهب السني الذي اجتاح المناطق الزيدية، وهذا ما شكل بؤرة لصراع طائفي في اليمن مستقبلا.
ان ثورة السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962م، غيرت نظام الحكم في اليمن من النظام الامامي الى النظام الجمهوري وانتزعت الحكم من الاسرة الهاشمية ليصبح في متناول القبائل اليمنية وخاصة كبار المشايخ الذين كانوا في صراع مع نظام الامامة في اليمن مثل اسرة ال الأحمر وال أبو لحوم  وال القوسي و المقدشي  وال الارياني وبنو احمد صلاح وغيرهم من شيوخ القبائل اليمنية الذين عانوا من الحكم الامامي المتسلط، وهذا الحدث التاريخي الكبير جعل الاسر الهاشمية في اليمن تفكر في استعادة الحكم من جديد كونهم يعتبرونه حقا تاريخيا لهم بحكم انتسابهم الى الامام علي بن ابي طالب وفاطمة بنت النبي محمد، وهو ما ولد بؤرة أخرى من بؤر الصراع المستقبلي في اليمن.
بعد الاطلالة الموجزة على جذور الصراع السياسي في اليمن والتي شكلت بؤرا حقيقية للنزاع والخلاف والصراع المستمر ثم تنامت واتسعت مع مرور الوقت لتصبح واقعا يفرض نفسه على مسار العملية السياسية في اليمن والتي تحظى برعاية دولية وإقليمية كبيرة من خلال المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني الشامل وقرارات مجلس الامن الدولي ذات الصلة، ولذا نرى انه من الصواب تناول موضوع الصراع السياسي في اليمن على النحو التالي:
أولا: الصراع المذهبي او الطائفي:
لا شك ان الصراع المذهبي او الطائفي في اليمن له امتداداته التاريخية القديمة حيث شهد اليمن فترات طويلة من الصراع الديني المذهبي بين الائمة الزيديين وهم فرقة من فرق الشيعة وبين الشوافع وهم جزء من اتباع المذهب الشافعي السني المعرف في العالم الإسلامي، وبرغم ان غالبية سكان اليمن من اتباع المذهب الشافعي الا ان الزيود كانوا هم من يحكم اليمن بسبب النزعة الحربية التي يتميز بها أصحاب المناطق الزيدية، ولهذا خضعت الأغلبية الشافعية السنية في اليمن لحكم الأقلية الزيدية الشيعية حتى عام 1962م، حيث تمت الإطاحة بالإمام البدر اخر الائمة الزيديين وإعلان النظام الجمهوري الجديد، الذي أتاح مزيدا من الحريات والانفتاح على العالم الخارجي، وجعل المذهب السني هو المذهب الرسمي للدولة وجعل المناهج الدراسية وفقا لتعاليم المذهب السني، مما ولد ردة فعل عكسية من قبل المراجع الزيدية في اليمن الذين شعروا بانحسار مذهبهم وانتشار المذهب السني الاخواني والسلفي في اليمن على نطاق واسع.
لقد دفع الواقع المذهبي الجديد في اليمن علماء ومراجع المذهب الزيدي الى التفكير بطلب العون والمساعدة من اية جهة داخلية او خارجية لدعمهم من اجل استعادة نفوذ المذهب الزيدي وقوته تمهيدا لاستعادة الحكم في اليمن بأية طريقة كانت، وقد وجد العالم والمرجع الزيدي الكبير بدر الدين الحوثي وابنه حسين جمهورية ايران الإسلامية الشيعية خير دولة تمنح الدعم والمساعدة للشيعة في اليمن، ولكن ايران اشترطت على بدر الدين الحوثي وابنه حسين الايمان بولاية الفقيه واقنعتهما بالعمل وفق الفكرة الشيعية الجديدة التي اخترعها اية الله العظمى الخميني مؤسس جمهورية ايران الإسلامية.
وبالفعل اقتنع حسين بدر الدين الحوثي بفكرة ولاية الفقيه وبدأ يجمع الصبيان الصغار في منطقة مران ويدرسهم الفكرة الشيعية الجديدة الوافدة من ايران الى جبال مران مع تدريبهم تدريبات عسكرية قتالية مستعينا بخبرات حزب الله اللبناني وخبرات الحرس الثوري الإيراني استعدادا للمواجهة الحتمية مع الحكومة اليمنية ومع التيارات السنية الاخوانية والسلفية في اليمن، وقد عمل حسين بدر الدين الحوثي عملا دؤوبا في أجواء من السرية والتكتم حتى عظم امره واشتد ساعده فامر اتباعه في الجهر بالصرخة المعروفة (الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام)، وهو ما أدى الى اندلاع معارك عنيفة وحروب شعواء بين الجيش اليمني والحوثيين منذ عام 2004م وحتى نهاية عام 2009م.
وفي عام 2011م خرجت الجماهير الى الساحات العامة في صنعاء ومعظم المدن اليمنية في تظاهرات سلمية للمطالبة بإسقاط النظام ورحيل الرئيس علي عبد الله صالح، وكان الحوثيون من جملة من خرجوا بقوة الى الساحات وخاصة في العاصمة صنعاء، وكان الربيع العربي بمثابة الفتح الكبير للحوثيين للخروج من صعدة والانتشار في بقية المحافظات اليمنية وخاصة عمران وصنعاء وذمار وحجة، وبرغم ان حزب الإصلاح كان هو الأقوى حضورا في ثورة عام 2011م وكان هو من يقود المظاهرات ويسيطر على اللجنة التنظيمية في كافة الساحات، الا ان الحوثيين فرضوا انفسهم في ساحات الاعتصام وبقوا مستمرين فيها بعد ان غادرتها جماهير الإصلاح بعد توقيع المبادرة الخليجية وتشكيل حكومة الوفاق ورحيل الرئيس علي عبد الله صالح، وبعد انتهاء مؤتمر الحوار الوطني، دخل الحوثيين في حروب طائفية مع السلفيين في دماج القريبة من مدينة صعدة وانتهت الحرب بتهجير السلفيين من معقلهم الرئيسي في دماج الى صنعاء بواسطة من الرئيس عبدربه منصور هادي.
 واستمر الحوثيون في حربهم الطائفية ضد السلفيين في محافظة صعدة، حيث اتجهوا نحو منطقة كتاف بعد ان سيطروا على دماج وفرضوا حصارا على كتاف حيث يوجد مركزا للسلفيين هناك يدرسون فيه القران وعلوم الحديث للطلاب الذين يأتون من كل مكان للدراسة في كتاف ودارت معارك عنيفة بين الجانبين انتهت بهزيمة السلفيين وتهجيرهم من منطقة كتاف وتفجير دار القران والحديث السلفي على ايدي الحوثيين، وما ان اكمل الحوثيين سيطرتهم على كتاف اتجهوا بسرعة نحو منطقة حاشد قبيلة الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر ليخوضوا معارك عنيفة جدا مع الجماعات السلفية ومقاتلي حزب الإصلاح الاخوان المسلمين والجماعات القبلية الموالية لأبناء الشيخ الراحل عبد الله بن حسين الأحمر وانتهت تلك المعارك الطائفية بانتصار الحوثيين وهزيمة أبناء الشيخ الأحمر والجماعات السنية الموالية لهم وفرار أبناء الشيخ الأحمر الى خارج اليمن وقد قام الحوثيين بتفجير القصور التابعة للشيخ الراحل عبد الله الأحمر وابنائه في منطقة حاشد، ثم واصل الحوثيون زحفهم نحو مدينة عمران مركز محافظة عمران، حيث دارت معارك عنيفة بين الحوثيين وبين مقاتلي حزب الإصلاح والسلفيين وقوات المعسكر الموالي للواء علي محسن الأحمر بقيادة العميد حميد القشيبي وانتهت المعارك بانتصار الحوثيين وهزيمة الطرف الاخر ومقتل العميد حميد القشيبي وسقوط المعسكر ومدينة عمران بأيدي الحوثيين.
وعلى خلفية اتخاذ حكومة باسندوة قرار رفع أسعار المواد النفطية بنسبة 100% اعلن الحوثيين ثورتهم على الحكومة رافين شعار اسقاط الجرعة واسقاط الحكومة وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني فأقاموا الخيام في شارع المطار وسط العاصمة صنعاء ونصبوا الخيام على مداخل العاصمة بالكامل وخاضوا معارك صغيرة مع الجماعات الدينية التابعة لحزب الإصلاح والسلفيين ووحدات عسكرية تابعة للواء علي محسن الأحمر في محيط العاصمة صنعاء وفي منطقة مذبح وشارع الستين ومقر قيادة الفرقة الأولى مدرع وجامعة الايمان التابعة للشيخ عبد المجيد الزنداني، ومن ثم تمت السيطرة على العاصمة صنعاء بعد فرار اللواء علي محسن الأحمر والشيخ عبد المجيد الزنداني والشخصيات القبلية والدينية والعسكرية الموالية للواء علي محسن الأحمر، وقد قام الحوثيين بتفجير منازل تابعة لمشايخ قبليين موالين للواء الأحمر في محيط العاصمة صنعاء.
لم يكتف الحوثيين بالسيطرة على العاصمة صنعاء والاستيلاء على مقاليد الحكم، بل واصلوا حربهم الطائفية على بقية المحافظات اليمنية الأخرى، فاتجهوا نحو محافظات الوسط مثل ذمار واب والبيضاء وخاضوا معارك مع القبائل السنية ذات الانتماء الإصلاحي والسلفي في ذمار واب والبيضاء وفجروا بيوت المشايخ والقيادات التي واجهتهم في يريم ومعبر وانس والرضمة واب والعدين ورداع ومنطقة قيفة وذي ناعم والزاهر وال الحميقاني، واستخدم الحوثيين في معاركهم الأخيرة قوات الجيش والامن اليمني بعد ان أصبح تحت قيادتهم.
وفي هذه الاثناء اندلعت الازمة السياسية بين الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومة الدكتور خالد بحاح وبين الحوثيين مما أدى الى هروب الرئيس هادي من صنعاء الى عدن بعد ان كان الحوثيين قد فرضوا عليه الإقامة الجبرية وعلى حكومة بحاح، حيث اعلن الرئيس هادي من عدن رفضه لسيطرة الحوثيين على الدولة بقوة السلاح واعلن عدن عاصمة مؤقتة، مما دفع الحوثيين الى اجتياح محافظة تعز والمحافظات الجنوبية مثل الضالع ولحج وابين والسعي نحو عدن للقبض على الرئيس هادي والسيطرة على اليمن بقوة السلاح، لكن الرئيس هادي تمكن من مغادرة عدن والهرب الى الرياض بعد ان طالب دول مجلس التعاون الخليجي بالتدخل العسكري لإيقاف الحوثيين واجبارهم على الخضوع للسلطة الشرعية في اليمن.
ومع مغادرة هادي واصل الحوثيين تحديهم للسلطة الشرعية وشكلوا اللجنة الثورية العليا لقيادة البلاد بدلا من هادي وحكومة بحاح ودخلوا عدن ومحافظة شبوة وزحفوا نحو مدينة مارب الغنية بحقول النفط والغاز ومع الانتشار الحوثي بتلك المحافظات تشكلت خلايا المقاومة الشعبية ضد الحوثيين بدوافع مذهبية وسياسية وحزبية ووطنية لتحرير مدنهم ومناطقهم التي اجتاحتها مجاميع الحوثي الطائفية والانقلابية على السلطة الشرعية وما زالت المقاومة الشعبية حتى الان تتشكل في العديد من المحافظات والمدن والمناطق اليمنية وخاصة في وسط اليمن وجنوبه وفي محافظة مارب التي تقاتل الحوثيين بشراسة وتصدهم عن اجتياح محافظتهم، وحاليا تخوض المقاومة الشعبية معارك عنيفة في عدن ولحج والضالع وتعز وابين ومحافظة مارب بدعم واسناد من دول التحالف العربي والمجتمع الدولي الذي يساند ويدعم السلطة الشرعية في اليمن وهذه الحرب بطبيعة الحال تنطلق من دوافع عديدة ابرزها الدوافع الطائفية المتمثلة بالرفض الشعبي من المجتمعات المحلية السنية للميلشيات الحوثية الشيعية التي اجتاحت بلادهم.
ثانيا: الصراع الحزبي على السلطة:
شهد اليمن عام 1990م تحيق الوحدة اليمنية ومعها نشأت الأحزاب السياسية اليمنية من اجل حياة سياسية ديمقراطية مفعمة بالتعددية السياسية والحرية ومن اجل التداول السلمي للسلطة عن طريق الانتخابات الحرة المباشرة، لكن حرب صيف عام 1994م، عكرت صفو الحياة السياسية اليمنية نتيجة اقصاء الحزب الاشتراكي اليمني من السلطة بعد الحرب، كما ان خروج الإصلاح من السلطة عام 1997م نتيجة خسارته في الانتخابات البرلمانية وانفراد المؤتمر الشعبي العام في حكم اليمن ولد حساسية لدى الأحزاب الأخرى التي بقيت خارج السلطة مما دفعها لتشكيل تحالف سياسي لمعارضة المؤتمر الشعبي العام عام 2001م.
وفي عام 2004م نشب خلاف كبير بين الشيخ حميد بن عبد الله الأحمر وبين احمد علي عبد الله صالح نجل الرئيس صالح، على خلفية استبعاد مجلس النواب اليمني شركة اركاديا التابعة للشيخ حميد الاحمر من احتكار تسويق النفط اليمني مقابل عمولة قدرها دولار واحد عن كل برميل بعد احتكار دام عشرين عاما، وتم منح العطاء  لشركة حكومية تابعة لوزارة النفط اليمنية، وقد تم ذلك التغيير بإيعاز من العميد احمد علي عبد الله صالح قائد الحرس الجمهوري آنذاك ونجل الرئيس صالح، وهذا الامر استفز الشيخ حميد الأحمر ودفعه الى تكثيف نشاطاته المعادية للرئيس صالح وابنه العميد احمد، واتخذ الشيخ حميد الأحمر من حزب الإصلاح وسيلة ومن أحزاب اللقاء المشترك مثل الحزب الاشتراكي اليمني والحزب الناصري والبعث وحزب الحق وغيرها من الأحزاب الأخرى أداة للمعارضة والاستقواء بها للإطاحة بحكم الرئيس صالح وابنه احمد.
لقد سعى الشيخ حميد الأحمر بكل ما يملك من قوة الى تحشيد خصوم الرئيس صالح وتحريضهم ضده مسخرا ثروته الطائلة لهذا الغرض، حيث سعى الى تأجيج الحراك الجنوبي ضد الرئيس صالح محرضا قيادات الحراك على المطالبة بحقوق المفصولين قسرا والمتقاعدين اجباريا بعد حرب صيف عام 1994م، واستخدم الأحمر أمواله لشراء ولاء قيادات الحراك الجنوبي لتحريك الشارع في الجنوب بمظاهرات ومسيرات احتجاجية للمطالبة بحقوق الجنوبين مدنيين وعسكريين، كما سعى الشيخ حميد الأحمر الى التواصل مع اللواء علي محسن الأحمر قائد الفرقة الأولى مدرع وقائد المنطقة الشمالية الغربية واقنعه ان الرئيس صالح ينوي التخلص منه في حروب صعدة مع الحوثيين كونه يقف حجر عثرة امام مشروع توريث الحكم للعميد احمد علي عبد الله صالح، واتفق الرجلين حميد الأحمر وعلي محسن الأحمر على التعاون المشترك والعمل معا بشكل سري للإطاحة بالرئيس علي عبد الله صالح وافشال مشروع توريث السلطة لابنه احمد، وذلك من خلال التظاهرات واثارة المشاكل والخلافات هنا وهناك واستنزاف الحكومة اليمنية في حرب صعدة مع الحوثيين.
وقد استطاع حميد الأحمر ومن خلال استخدام ثروته الطائلة افتعال العديد من المشاكل والمظاهرات والاحتجاجات ضد الحكومة لمطالبتها بقضايا حقوقية واتهامات لها بالفساد والسعي لإفشال وعرقلة اجراء الانتخابات النيابية في موعدها المحدد عام 2008م، وقد نجح حميد الأحمر في تحقيق هذا الهدف من خلال الوساطة الاوربية بين السلطة والمعارضة التي قضت بتأجيل الانتخابات لمدة سنتين وإتاحة الفرصة للحوار بين السلطة والمعارضة اليمنية التي يقودها ويوجهها الشيخ حميد الأحمر.
ومرت السنتين دون ان يتوصل الطرفان الى حل سياسي بشان اجراء الانتخابات البرلمانية وتفاجأ الجميع بهبوب رياح الربيع العربي في تونس ثم مصر ثم ليبيا ثم سوريا ثم اليمن، وكانت فرصة حميد الأحمر الذهبية لتحقيق حلمه في الانتقام من الرئيس صالح ونجله احمد وترحيلهما من السلطة مستندا الى احزب اللقاء المشترك واهمها حزب الإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني والحراك الجنوبي الذي يدعمه الشيخ حميد ويمول نشاطاته وتحركاته مع تمويل أحزاب اللقاء المشترك للتحرك ضد الرئيس صالح والاطاحة به وبنجله احمد وافشال مشروع توريث الحكم، فاندلعت ثورة فبراير عام 2011م، وخرجت الجماهير الى ساحات الاعتصام في صنعاء والمدن اليمنية الأخرى ولم تتوقف هذه الثورة الا بالمبادرة الخليجية التي قضت برحيل الرئيس صالح من منصبه وتسليمه لنائبه عبدربه منصور هادي وتشكيل حكومة وفاق وطني برئاسة المعارضة وهيكلة الجيش اليمني واجراء حوار وطني شامل ومن ثم اجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في اليمن.
وبعد ثلاث سنوات فقط من رحيل الرئيس صالح من رئاسة الجمهورية ونجله احمد من قيادة الحرس الجمهوري انقلبت الأوضاع راسا على عقب حيث تم ترحيل حميد الأحمر من اليمن الى تركيا وهروب اللواء علي محسن الأحمر وسقوط حكومة باسندوة وهروب الرئيس هادي من صنعاء الى عدن ومن عدن الى الرياض بسبب زحف الحوثيين على صنعاء وتمددهم الى جنوب اليمن بدعم واسناد خفي من الرئيس السابق صالح كما يبدو وكما تشير تقارير صحفية الى ذلك، وهكذا نجد الأحزاب السياسية اليمنية تتحرك بدوافع انتقامية ضد بعضها البعض وليس بدوافع وطنية وهذا حدث نتيجة لتراكمات طويلة من الصراعات السياسية اليمنية الداخلية.
ثالثا: الصراع الجنوبي الشمالي:
كان اليمن دولتين مستقلتين منذ نهاية ستينات القرن الماضي، حيث كانت الجمهورية العربية اليمنية في شمال اليمن وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في جنوب اليمن، وكانت العلاقات السياسية بينهما متوترة جدا بحكم اختلاف النظام في صنعاء وعدن، حيث كان النظام في الجنوب حليفا للاتحاد السوفيتي وفي صنعاء كان النظام حليفا للمعسكر الرأسمالي الغربي، وفي عام 1990م تحسنت العلاقات بين البلدين وتم اعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو عام 1990م، بعد التوقيع عليها من قبل الرئيس الشمالي علي عبد الله صالح والرئيس الجنوبي علي سالم البيض.
ومع مرور الوقت ساءت العلاقة بين المسؤولين الشماليين والمسؤولين الجنوبيين وغادر نائب الرئيس علي سالم البيض صنعاء الى عدن واعتكف فيها حتى تفجرت الحرب العسكرية بين الجيش الشمالي والجيش الجنوبي في صيف عام 1994م، ولكن سرعان ما انتهت الحرب بانتصار القوات الشمالية وفرار علي سالم البيض الى سلطنة عمان المجاورة لليمن، بعد ان أعلن بيان انفصال الجنوب عن الشمال ابان المعارك الدائرة بين الطرفين.
تلك الحرب خلفت الكثير من الإشكاليات والإجراءات التعسفية بحق الجنوبيين، حيث تم فصل الكثير من الأشخاص من وظائفهم نتيجة مساندة الحزب الاشتراكي اليمني وفرار اعداد غفيرة الى خارج اليمن وتم إحالة الكثير من العسكريين الى التقاعد في سن مبكرة ظلما وتعسفا، فضلا عن ان الحرب ولدت شعورا بالهزيمة والغبن لدى الجنوبيين، الذين اصبحوا ينظرون للشماليين كمحتلين وغزاة وليس كأبناء بلد واحد، وهذا الشعور تنامى في السنوات الأخيرة شيئا فشيئا حتى وصل الامر لدى قادة الحراك الجنوبي للمطالبة بفك الارتباط واستعادة الدولة الجنوبية.
وبسبب تلك المشكلات تشكل الحراك الجنوبي للمطالبة بحقوق الجنوبيين المهضومة، وقد استطاع الحراك الجنوبي إيصال صوت الجنوب الى مسامع الأمم المتحدة من خلال المظاهرات المليونية التي قادها للمطالبة بالحرية والاستقلال، وفي مؤتمر الحوار الوطني مثل الحراك القضية الجنوبية تمثيلا رائعا يتناسب مع حجم التطلعات لأبناء الشعب في الجنوب، لكن الحوثيين مع الأسف قلبوا الطاولة على الجميع ورموا بمخرجات الحوار الوطني عرض الحائط واجتاحوا الجنوب بالقوة العسكرية، الا ان الجنوبيين الان يقاتلون الحوثيين ببسالة منطلقين من عدة مبررات أولها عدالة القضية الجنوبية وثانيها ان الحوثيين انقلابيين لا شرعية لهم وثالثها ان الحوثيين غزاة ومحتلين للجنوب مثلهم مثل العراق عندما اجتاح الكويت، ورابعها ان الحوثيين ميليشيا شيعية طائفية جاءت لتستفز أبناء السنة الجنوبيين في ارضهم وديارهم، ولذا نجد المقاومة الشعبية للحوثيين تشتد يوما بعد اخر في مدينة عدن ومحافظة الضالع وابين ولحج وشبوة ومدينة تعز حيث المقاومة الشعبية تلقن الحوثيين دروسا قاسية رغم افتقارها الى السلاح والعتاد والمال اللازم.
ولا اعتقد ان القضية الجنوبية ستنتهي مشكلتها ما لم يمنح الجنوبيين حق تقرير المصير مثل جنوب السودان، وهذا هو الحل الأمثل للقضية الجنوبية ولمشكلة الصراع السياسي في اليمن، حيث يجب ان يتم الاتفاق بين الجنوبيين والشماليين على اجراء استفتاء في الجنوب باشراف الأمم المتحدة وترك الجنوبيين يقرروا بحرية مصيرهم من خلال استفتاء كما حدث في جنوب السودان.
ومع ان هناك مشكلة أخرى وهي تخص محافظات شبوة وحضرموت والمهرة، وتتمثل في عدم قبول أبناء هذه المحافظات في البقاء مع الجنوب في دولة واحدة وانما يفضلون إقامة دولتهم المستقلة التي كانت قائمة ابان الانتداب البريطاني على جنوب اليمن بزعامة السلطان القعيطي، الذي كان سلطانا على دولة حضرموت وعاصمتها المكلا وتشمل شبوة وحضرموت والمهرة وجزيرة سوقطرة، ومن الممكن فيما بعد اجراء استفتاء في تلك المحافظات لتقرير المصير على غرار ما حصل في جنوب السودان.
رابعا: الصراع العرقي على السلطة:
شهد اليمن عبر تاريخه الوسيط والحديث جولات من الصراع العرقي على السلطة والثروة، بين الاسر الهاشمية التي تنتسب الى الامام علي بن ابي طالب بن عم النبي محمد وزوجة ابنته فاطمة، وبين القبائل اليمنية القحطانية وهم سكان اليمن الأصليين والغالبية العظمى من اجمالي سكان اليمن، والمشكلة تتمثل في ان الهاشميين يعتبرون أنفسهم عرقا مفضلا على سائر الأمم والشعوب ويعتقدون انهم أصحاب الحق في تولي الحكم والسلطة والمناصب العليا في الدولة، كونهم من أقارب النبي محمد بن عبد الله بن هاشم.
وبرغم انهم اقلية عرقية في اليمن، الا انهم استطاعوا اخضاع اليمن لسلطتهم واجبروا الأغلبية من سكان اليمن وهم القبائل القحطانية على الإذعان لحكمهم معظم فتراته التاريخية الوسيطة والحديثة وقد استخدم الهاشميون سياسة خبيثة وماكرة للسيطرة على القبائل اليمنية القحطانية وهي زرع العداوة بين تلك القبائل وتشجيع قبيلة على قبيلة أخرى لضربها واخضاعها إذا تمردت على سلطة الحاكم الهاشمي.
واستخدم الهاشميون طريقة أخرى قذرة وغير إنسانية لضمان خضوع القبائل اليمنية القحطانية لسلطتهم، وهي أسلوب الرهينة او الرهائن، حيث كان الحاكم الهاشمي يقوم بأخذ أبناء زعماء القبائل عنده كرهائن وتهديدهم بقتل أبنائهم اذا تمردوا على سلطته، فضلا عن قيام الحكام الهاشميين بسجن المشايخ والشخصيات الذين كانوا ينتقدوا سياسة الحاكم الهاشمي او يقاموا ظلمه وجوره واستبداده، كما كان يتم اعدام اليمنيين الذين يرفضون منطق الهيمنة والسيطرة على الشعب واحتقاره واهانته.
وهكذا استمر الصراع السياسي على السلطة في اليمن بين القبائل اليمنية القحطانية وبين الاسر الهاشمية الوافدة الى اليمن من مكة، حيث كان الهاشميون يعاملون الشعب اليمني باحتقار لأنهم يعتقدون انهم اسرة مفضلة على البشر من الله وان الله اصطفاهم واختارهم من بين كل البشر ليكونوا حكاما على الناس وما على الناس الا طاعتهم والسير خلفهم كما تسير الأغنام خلف راعيها.
تلك السياسة العنصرية الوحشية القذرة جعلت القبائل اليمنية تقاوم ظلم وجور الائمة او الحكام الهاشميين الطغاة المتجبرين، ونتيجة لذلك كانت تحدث مجازر مروعة بين القبائل الثائرة والقبائل الموالية للحكام الهاشميين وغالبا ما كان الحكام الهاشميين يكفرون من يقاوم حكمهم وسلطتهم ويستبيحون دمائهم واموالهم ويجعلونهم عبرة لغيرهم من القبائل الأخرى لغرض ارعابها وارهابها كي لا يفكروا بالثورة على حكمهم وسلطانهم.
وفي عام 1962م ثارت القبائل اليمنية على حكم الاسرة الهاشمية ليس لأنهم زيود وانما لأنهم حكام جور وظلم واستبداد، لان دوافع الثوار لم تكن مذهبية او دينية لان اغلب الثوار كانوا من أبناء الطائفة الزيدية نفسها وكانت دوافعهم للثورة على الحكم الامامي الاسري السلالي دوافع ثورية تحررية خالصة، وما حدث من ثورة عام 1962م لم يكن الا امتدادا طبيعيا لتاريخ الصراع المرير بين الهاشميين والقبائل اليمنية على السلطة.
واليوم وبعد ان سيطر الحوثيين الهاشميين على اليمن ونكلوا بمشايخ القبائل اليمنية التي وقفت ضدهم وهجروهم الى خارج اليمن، نستطيع القول ان الشعب اليمني عاد من جديد الى تحت سيطرة الاسر الهاشمية التي تسعى الى الاستئثار بكل ثروات البلاد ومقدراتها وتسخيرها لمصالح الاسر الهاشمية والعمل على تجويع اليمنيين واذلالهم وهذا سيؤدي بطبيعة الحال الى نشوء صراع مرير بين القبائل اليمنية وبين الاسر الهاشمية وهذا الصراع قد بدأ في الحقيقة منذ عام 2004م وحتى يومنا هذا.
خامسا: البعد الدولي والإقليمي للصراع السياسي في اليمن:
لا يمكن الحديث عن الصراع السياسي في اليمن بمعزل عن التأثيرات الدولية والإقليمية التي لها مصالح في اليمن، وتلك التأثيرات تندرج ضمن المصالح الدولية والإقليمية في اليمن، وقد تجلى الدور الإقليمي والدولي بشأن الصراع السياسي في اليمن عام 2011م، حيث سعت الولايات المتحدة الامريكية ومعها دول الاتحاد الأوربي ودول مجلس التعاون الخليجي، لاحتواء الصراع السياسي في اليمن ومنع اندلاع الحرب الاهلية بين القوى السياسية اليمنية المتصارعة.
لقد بذلت دول الخليج العربي جهودا كبيرة وخاصة المملكة العربية السعودية، وبدعم دولي من الولايات المتحدة الامريكية ودول الاتحاد الأوربي، لتقديم مبادرة سياسية لاحتواء الصراع في اليمن ومنع اندلاع الحرب الاهلية التي كانت وشيكة، وبالفعل قدمت دول مجلس التعاون الخليجي مبادرة سميت بالمبادرة الخليجية لحل الازمة السياسية في اليمن بطريقة سلمية وضمن مسار وخطوات واضحة ومزمنة تحقق الانتقال السلمي للسلطة برعاية خليجية ودولية واشراف مباشر من الأمم المتحدة.
وفي المقابل حاولت إيران عرقلة المسار السياسي في اليمن من خلال حلفائها الحوثيين وبعض القوى الأخرى التي رفضت الاعتراف بالمبادرة الخليجية وبقيت في ساحات الاعتصام تثير المشاكل بهدف افشال المبادرة الخليجية وافشال مسار التسوية السياسية اليمنية السلمية، حيث واصلت إيران جهودها السياسية السلبية المعرقلة للجهود الدولية والإقليمية العربية، من خلال دعم الحوثيين بالسلاح والمال لجعل اليمن تابعا للنفوذ الايراني في المنطقة.
لقد اوعزت ايران الى عملائها الحوثيين بالتوسع والانتشار خارج محافظة صعدة من خلال الزحف على المحافظات اليمنية الأخرى واسقاطها بقوة السلاح والسيطرة عليها بدعم واسناد إيراني ومحلي داخلي من قبل بعض اقطاب السلطة والنفود اليمني رغبة في الانتقام عن طريق الحوثيين من الخصوم السياسيين، وهذا أدى الى سيطرة الحوثيين وايران على السلطة السياسية في اليمن والسيطرة على الجيش اليمني والأجهزة الأمنية، وهو ما جعل الدول الخليجية تشعر بتهديد امنها القومي وخاصة المملكة العربية السعودية، وكذلك القوى الدولية الكبرى شعرت بخطورة تعاظم النفوذ الإيراني في اليمن وما قد ينجم عن ذلك من تهديدات للملاحة الدولية عن طريق تحكم ايران في مضيق باب المندب واستخدامه وسيلة للضغط على القوى الدولة وابتزازها في قضية الملف النووي الإيراني وغيره من الملفات الأخرى.
تلك الاحداث والتطورات المتسارعة في اليمن والتي كان اخرها مطاردة الحوثيين للرئيس عبد ربه منصور هادي من اليمن الى الرياض، جعلت هادي يطلب التدخل العسكري من دول مجلس التعاون الخليجي لكبح جماح الحوثيين وارغامهم على العودة الى الحوار السياسي، وقد استجابت الدول الخليجية ومعها دول عربية وإسلامية أخرى وشنت عاصفة الحزم ضد الحوثيين والقوات العسكرية الموالية لهم، وايد المجتمع الدولي هذا التدخل بقرار صادر من مجلس الامن تحت الفصل السابع هو القرار رقم 2216 والذي يطالب الحوثيين إيقاف الحرب والانسحاب من المناطق التي احتلوها ومن مؤسسات الدولة وتسليم السلاح الذي نهبوه من معسكرات الجيش والامن الى السلطة الشرعية والعودة الى الحوار السياسي، ولكن مع الأسف ما زال الحوثيين حتى كتابة هذا المقال يتحدون قرار مجلس الامن الدولي ويتحدون إرادة المجتمع الدولي، دون اكتراث بحجم الدمار والخراب الذي يصيب اليمن جراء استمرار الغارات الجوية ضدهم وجراء الحرب الاهلية الدائرة بين الحوثيين والمقاومة الشعبية في عدن ومارب والضالع وتعز وابين وغيرها من المناطق الاخرى.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص